هناك عدد من المعايير تعتمدها بعض
الشركات لتقيس قدرات المتقدمين لطلب الوظائف لديها من خريجي و خريجات الجامعات. من
بين تلك المهارات و المقومات: اللغة الإنجليزية, استخدام الكمبيوتر, مهارات
التواصل و العمل كفريق, الإبداع و الابتكار, و المعرفة بالتخصص.
من المعروف لدى الجميع أن هناك فجوة
بين متطلبات سوق العمل و بين الأسس و المعايير المبنية عليها برامج البكالوريوس و
الدراسات العليا بالجامعات المحلية و هذه نقطة تحتاج إلى نظر.
أنت كخريج/ـة, ستكون أولى خطواتك
بالحياة المهنية هي البحث عن فرص عمل تلائم ما تمتلكه من مؤهلات و قدرات. أنت
مطالب/ـة ببرهنة أو اثبات ما تمتلكه من مهارات و قدرات من خلال تجاوز المقابلات
الشخصية و اختبارات القبول المبدئية التي تعقدها لجان التوظيف و من ثم النجاح
المهني المستمر على رأس العمل.
ماذا تريد الشركات؟
الشركات بطبيعة عملها تواجه صعوبات و
مخاطر تهدد قدرتها على الاستمرار في الصناعة التي تعمل بها. هناك منافسة شرسة بالسوق
و من الصعب البقاء طويلا أو النجاح باستمرار من دون امتلاك موارد مادية و بشرية
متميزة جدا. إن الكوادر البشرية المؤهلة تأهيلا جيدا تعتبر من أهم الموارد و التي تتسابق
الشركات المتفوقة لامتلاكها و من ثم توظيفها بما يخدم بقائها و تميزها.
إن الشركات تبحث عن أفراد يمتلكون
مهارات و قدرات تتواكب أو تتفوق على ما هو موجود بالصناعة التي تعمل بها. فمثلا,
قد يكون لدى المدير التنفيذي لشركة السماء العقارية "شركة إفتراضية"
قصورا في الإدارة المالية و يحتاج إلى توظيف محاسبين يقومون بدور "معالجي
المشكلات أو problem solvers". هذا الدور يتطلب مهارات متقدمة
مثل القدرة على جمع البيانات و تحديد المشكلات, تحليلها, و الخروج بحكم أو حل ملائم
يقضي أو يقلص من حجم المشكلات بتلك الإدارة. آمل انكم لاحظتم أنني لم أذكر
"المعرفة بالتخصص" من بين المهارات بالأعلى و السبب هو أن هذا المقوم
ليس شيئا مستقلا أو كافيا بحد ذاته لكنه خاصية تنبني عليها العديد من المهارات
الأخرى الهامة و التي يبحث عنها المدراء التنفيذين بشكل أساسي - سيتم مناقشة تلك
المهارات بالاسفل. إن المدير التنفيذي يبحث عن سواعد يمكن الاعتماد عليها كي لا
تغرق سفينته في سوق يتصف بالغموض و حدة المنافسة و التقلب.
مالمقومات و المهارات التي يتوقعها
منك الرئيس التنفيذي كخريج/ـة جامعة:
أولا: المعرفة بالتخصص "comprehension"
كما ذكرت بالأعلى و أكرر, هذه الخاصية
ليست كافية بحد ذاتها كدليل لتميزك أيها الخريج/ـة, فالمعرفة بالتخصص هي مجرد سبب من
أسباب التفوق بمهارات و مقومات أخرى يبحث عنها المدراء التنفيذيين المحنكين . أخطأت
بعض الجامعات المحلية عندما جعلت كل تركيزها هو تخريج طلابا و طالباتا "حفاظا"
للمعلومات. لكن المدراء التنفيذيين لا يبحثون عن "حفاظا" انما يبحثون عن
محللين و مبتكرين و مبدعين كما سيلي الحديث عنهم.
ثانيا: مهارات التواصل و العمل كفريق
قد يكون لدى موظف ما – حديث التخرج -
أفكار و حلول ممتازة لبعض المواقف التي يتعرض لها برأس العمل لكنه قد يفتقر القدرة
على توصيل فكرته و اقناع من حوله بما لديه من حلول و إبداعات ليتم اعتمادها, فيبقى
الإبداع حبيسه. من الضروري أن يكون لدى الخريج/ـة مهارات تواصل و أساليب حوار و
تفاوض جيدة و غير مثيرة للنزاعات ليكون عضوا فعالا و مساهما في تميز المجموعة التي
يعمل معها و سينعكس ذلك بشكل أو بآخر على الميزة التنافسية للشركة. كثرة الخلافات
بين أعضاء المجموعة الواحدة سيقلل من انتاجيتها مما قد يتسبب في إضعاف قدرة الشركة
على المنافسة.
ثالثا: قدرات التطبيق العملي للنظريات
و المفاهيم "application"
تعمل الجامعات على تزويد الخريج/ـة
بكم هائل من المعارف و العلوم "المفاهيم و النظريات" ذات العلاقة
بالتخصص. يقوم الطالب/ـة بفهمها, حفظها, و تطبيقها عمليا بمسائل مباشرة و بسيطة من
إعداد المحاضرين أو مقتبسة من بعض الكتب. لكن بالواقع المهني, فإن الخريج/ـة و بعد
تملكه الوظيفة الملائمة لتخصصه, سيواجه مسائل "أو مشكلات" حقيقية غاية
في التعقيد و الغموض و سيطلب منه رئيسه المباشر معالجتها. رغم أن تلك المشكلات
الواقعية لم تخرج من نطاق تخصصه, فإنني أعتقد أن العديد من الخريجين و الخريجات سيفشلون
في التعامل معها و حلها. السبب قد يكون ناجما عن قصور المواد التي درسها في تغطية
مسائل حديثة من واقع الشركات و معالجتها بحلقات نقاش مفتوحة.
فمثلا, قد يقوم الرئيس التنفيذي
بتعيين محاسب جديد بالشركة ليعالج مشكلة عدم توافق اجراءات المحاسبة المتبعة
بالشركة مع المعاييرالمحاسبية المحلية. يتوقع المدير التنفيذي أن المحاسب الجديد
قد تلقى و فهم تماما - نظريا و عمليا - كل ما تتطلبه مهنة المحاسبة من قواعد و
معايير محاسبية خلال سنوات دراسته الجامعية بالتالي فهو قادرا على ترجمتها عمليا من خلال مسك الدفاتر و تصنيف الحسابات و ترحيلها
و تلخيصها في قوائم مالية بطريقة فاعلة و غير مكلفة و متوافقة مع المعايير. إن
إبداع ذلك المحاسب في القيام بواجباته المهنية سيؤدي إلى تخفيض تكاليف إعداد
القوائم المالية - المرتفعة عادة – و هذا ما كان يريده المدير التنفيذي من موظفه.
رابعا: مهارات التحليل" analysis":
تعتبر مهارة التحليل من المهارات
المتقدمة و تميز صاحبها كثيرا لانها من خصائص متخذي القرارات و الباحثين و
المبتكرين. تقوم الجامعات المتقدمة بتدريب طلابها على هذه المهارة ابتداءا من
السنة الثالثة أو الرابعة بالبكالوريوس و بمراحل الماجستير و الدكتوراه. مهارة
التحليل تتطلب إلماما جيدا بالتخصص ليتمكن الطالب/ـة من استخدامها بفاعلية. فالخريجة
التي تمتلك مهارة التحليل تقوم باستخدام أفضل النظريات العلمية و الأطر المفاهيمية
لتحليل و فهم مشكلة معينة تواجهها الشركة التي تعمل بها. أولا, تقوم الخريجة بفهم
المعضلة من خلال تحليلها و تجزئتها إلى
مسبباتها الرئيسية بالاعتماد على النظريات العلمية بالمجال. و من ثم تقترح الحلول
و تختبرصمودها في عدد من السيناريوهات الممكنة كما سنرى بالخطوات القادمة.
إن تقلبات السوق المستمرة تضع الشركات
في مواقف أو مشكلات تحتاج إلى فهم عميق و بنفس الوقت سرعة استجابة حتى لا تخسر تلك
الشركات مركزها التنافسي. من خلال عملية التحليل, يمكن تحديد ماهية و أبعاد
المشكلات ليتم الاستجابة لها بفاعلية و بأساليب علمية متقدمة.
أضرب مثالا, قد تقوم الرئيسة التنفيذية
بعقد اجتماع لمناقشة إمكانية و مدى ربحية إنشاء خط إنتاجي إضافي لطرح منتج جديد. و
يكون بالجلسة خريجة ماجستير متخصصة في الإدارة الإسترتيجية للاعمال. إن الرئيسة
التنفيذية تتوقع أن هذه الخريجة - و المتعينة حديثا- تمتلك معرفة جيدة بالتخصص و
قدرات تحليلية و تطبيقية بحيث تستطيع أن تقدم استشارات فعالة لاتخاذ القرار إما
بانشاء أو عدم انشاء الخط الإنتاجي الجديد. إن قدرة تلك الخريجة على توظيف ما
تعلمته من نظريات و مفاهيم بالإدارة الإستراتيجية في تحليل مشكلة "إمكانية
إنشاء الخط الإنتاجي الجديد" سيمكنها من تقديم استشارات و حلول إبداعية تجنب الشركة
من تخصيص ميزانية كبيرة في قرار قد لا يكون مربحا و هذا ما يأمله المدراء
التنفيذيين من خريجي و خريجات الجامعات.
خامسا: مهارات التأليف و التركيب
"synthesis"
تضاف إلى مهارات التحليل, مهارات
التأليف و التركيب و هي أكثر تعقيدا لأنها ستتطلب خطوات أو مهارات أخرى- قادم الحديث
عنها- كالتقييم و إصدار الحكم " أو الإستنتاج و حل الخلافات". الخريج
الذي يمتلك هذه المهارة قد يتمكن من ابتكار شيء جديد سواء فكرة, حل, أو منتج مختلف.
إن القدرة على التأليف و التركيب تعني أنك أيها الخريج قادرا على رؤية علاقات و
خصائص في أشياء منفصلة عن بعضها بحيث لو اجتمعت ستكون لدينا شيئا جديدا و متميزا و
سيضيف إلى القوة التنافسية للشركة التي تعمل لأجلها.
فمثلا, لدى شركة آبل معرفة متميزة
بتكنولوجيا الأجهزة الذكية. قامت الشركة بالنظر في إمكانية توليف و توظيف قدراتها
التكنولوجية لانشاء خط إنتاجي جديد لصناعة جهاز يشبه الآيبود لكن بشاشة لمس أكثر
عرضا و بإمكانيات أكثر تقدما. و على مستوى السوق, رأت الشركة أن هناك حاجة لجهاز
خفيف الحمل, يقوم باستعراض صفحات الإنترنت و ملفات القراءة بطريقة فاعلة. من خلال التوليف
والتأليف فيما بين القدرات التكنولوجية التي تمتلكها الشركة و دراسات الجدوى و
الربحية و نتائج دراسات السوق, قامت الشركة باتخاذ قرار إنتاج "الآيباد".
و كما يعلم الجميع, قد حقق هذا القرار نجاحا كبيرا يبرهنه القبول الواسع لهذا
الجهاز لدى شرائح متنوعة من المستهلكين كالطلاب, رؤوساء الأعمال, الموظفين, أو حتى
الأشخاص العاديين و الأطفال.
إن عملية التاليف الناجحة التي قامت
بها آبل بين قدراتها التكنولوجية, دراسات جدوى و ربحية فتح خط انتاجي جديد, و
أخيرا حاجة السوق ساعدت الشركة على انتاج منتج متميز أضاف إلى قوتها التنافسية و
ساهم في بقائها. إضافة إلى ذلك, هذا يدلل على وجود كفاءات بشرية عالية المستوى لدى
تلك الشركة.
سادسا: مهارات التقييم و إصدار الحكم evaluation and judgment”"
قدرة طالب العمل على إجراء عمليات
التقييم و إصدار الحكم أو القرار النهائي هي من أصعب و أعقد المهارات بالشركات و
تحتاج إلى دراسات مطولة و خبرات واسعة. هذه الخطوة تلي عملية التأليف و التركيب و
يقوم فيها الموظف – أو المدير - بتقييم مقترح القرار "مثلا شراء مشروع صغير
من ملاكه" قبل اصداره و اعتماد ميزانية له. عملية التقييم تتطلب إعادة فحص و
دراسة مدى ارتباط و موثوقية و حساسية الأسس التي سيتم الاعتماد عليها في إتخاذ ذلك
القرار و أنها ستؤدي إلى ما هو متوقع من نجاح و ربحية, يؤخذ بالإعتبار عوامل و
بيانات ذات علاقة بمجال القرار. يتم اصدار القرار أو الحكم بعد إزالة الخلافات و اختبار
و تعزيز و توثيق الإرتباط بين القرار و الأسس التي سيبنى عليها. هذه القدرات تجعلك
مؤهلا للقيادة سواءا على مستوى دائرة صغيرة, قسم, أو إدارة الشركة ككل بعد تنامي
الخبرات لديك. تقوم الجامعات المتقدمة بتدريب طلابها على هذه المهارة بشكل مبتديء
في السنة الأخيرة من البكالوريوس, و بشكل مكثف في مراحل الماجستير و الدكتوراه.
ختاما, إن المهارات و المقومات الست -
التي ناقشتها بالأعلى- تشكل جزئا رئيسيا من أهداف التعليم بالجامعات الدولية
العريقة. تعمل الجامعات المتقدمة على تمكين طلابها منها إلى جانب المعرفة الدقيقة
بالتخصص و تطبيقاته الخاصة. تلك المهارات مرتبطة ببعضها و تتسلسل في الصعوبة هرميا
لأعلى, كما بالشكل 1. يمكنك عزيزي / عزيزتي الطالب/ـة من عمل بحث و قراءة موسعة حول
تلك المهارات من خلال الإنترنت. أخيرا, و أكررها دوما, المعرفة بالتخصص ليست كافية
بحد ذاتها لتجعل من الخريج/ـة مورد بشري متميز بحيث تتدافع الشركات لاستقطابه,
انما هناك عدد من المهارات الأخرى الهامة جدا كمهارات التواصل, العمل كفريق,
الحوار, و التفاوض,جمع البيانات, التحليل, التأليف و التركيب, التقييم و الإستنتاج
أو الحكم و صياغة القرار.
ليس الهدف من مقالي هو حصر و تفصيل
جميع المهارات و المقومات التي تبحث عنها إدارات الموارد البشرية بالشركات, انما
أحببت إرشاد خريجي و خريجات الجامعات للتركيز على بعض المهارات الأساسية و
المتوقعة منهم ليعملوا على رفع مستواها و بما يتواكب مع ما تتطلع إليه الشركات.
أيضا, احببت توجيه نظر المهتمين بالتعليم العالي لعدد من النقاط, و التي في
اعتقادي, من أسباب تنامي الفجوة بين مخرجات التعليم المحلي و ما يبحث عنه المدراء
التنفيذيين.