أحد المبادئ التربوية الهامة و التي أحرص على غرسها في أبنائي؛ "الاستقلالية مع المسؤولية". الاستقلالية بمعنى الحرية بحيث يعطى الابن/ ـة المساحة ليقول أو يفعل ما يشاء (ليجد نفسه و تُبنى ثقته فيها و يقل شغبه ضد كثرة و تضارب قوانين البيت)، و لكن بشرط أن يكون مسؤولا بحيث لا يقدم على أي خطوة من دون أن يفكر، يستشير، يدرس إمكانية تطبيقها و يقدّر مستوى أضرارها سواءا على نفسه او من حوله و ذلك قبل الشروع بها.
و كمكمل للعملية التربوية هذه، قمت بغرس حب الاستقلالية (الحرية) فيهم حتى أصبح تدخلي بوضع قوانين تقتص من حرياتهم من بين أسوأ العقوبات التي يحاولون تجنبها. أيضاً قمت بغرس مفهوم المسؤولية نظريا و تطبيقيا بالمنزل و بين الناس، حتى تكونت لهم صورة شاملة حول الطريقة التي ينبغي عليهم أن يتبعونها في تحديد مواقفهم (تصرفاتهم) مستنيرين بـ "لا ضرر و لا ضرار"، بالاستشارات، و التروي.
و من ناحية التطبيق العملي لهذا المبدأ، فإن نفوذي عليهم تمليه العبارة التالية و التي دائماً ما أرددها على أسماعهم:
أنتم مجتمع صغير، و انا كالحاكم عندكم. الموارد (كالسوني أو الألعاب أو الحلويات) بالبيت أو بأي مكان تذهبون اليه ستكون محدودة بالتالي قد ينشأ بينكم خلافات كثيرة حولها. اذا تجبر أحدكم او ظلم او تفاقمت مشاكلكم بأن ارتفع الصراخ و اشتعل الغضب او قل الحوار الراشد، سأتدخل بينكم بالقوانين التي قد تحرمكم من الكثير من حرياتكم لكنها ستضع حلولاً لنزاعاتكم. تصرفوا بمسؤولية و عالجوا مشاكلكم بعقلانية و بأمانة و عدل و إيثار و شراكة فيما بينكم و لا تدعوا مشاكلكم تخرج من دائرتكم. فلو وصلتني، سأتدخل مضطرة، بوضع قواعد قد تزاحم المساحة التي كُنْتُمْ تتمتعون بها من الحرية، و هذا قد لا يعجبكم.
من طرائف المواقف:
بدأ اولادي يتنافسون على من يدخل البيت اولا، فتدخلت بينهم بقولي:
يبدوا أنكم لازلتم غير ناضجين لأنكم تتخاصمون على شيء عديم الجدوى و المعنى فلن تغتنمون منه مالاً و لا سلطاناً، هل تريدون قانونا لحل خلافا تافهاً كهذا!! اذاً انتم لا تعطون قيمة للحرية الممنوحة لكم باعتبار أنكم أصبحتم ناضجين و مسؤولين، فتفاهة مشاكلكم تشعرني بأنكم لازلتم بحاجة الى مزيداً من التدخلات بحياتكم لحمايتكم من سوء تصرفاتكم كصغار لا يحسنون الاختيار و التصرف. (علما بان أعمارهم مابين السابعة و العاشرة)
إن مبدأ الاستقلالية و المسؤولية سيجنبك الحاجة إلى وضع عشرات القوانين التي قد لا تُبنى بطريقة صحيحة فتتسبب في نشوء مشاكل أخرى وليدة قد تضطرك الى فرض مزيداً من القوانين لتصحيحها، فتُدخِل نفسك في دائرة ليس لها نهايات. لكن عندما تعطي الابن/ ـة السلطة ليتحكم هو في نفسه و يديرها بمسؤولية نحو الاختيارات الرشيدة، فأنت ستضرب عصفورين بحجر واحد. أولا: لن تحتاج لوضع المزيد من القوانين بالتالي ستزيل عن نفسك عناء مراقبة تنفيذها و احترامها و الذي عادة ما يزداد طردياً مع زيادة تلك القوانين. ثانيا: انت بهذا المبدأ تعلم الابن/ ـة المسؤولية و الاعتماد على النفس و الثقة فيها و الإبداع (نتيجة انخفاض البيروقراطية و الأنظمة التي تعيق اكتشاف الانسان لذاته) و أخيراً ستدفعه للنضج سريعاً. إن حب الابن/ ـة الفطري للحرية سيدفعه إلى أن يستدرك تهوره فيدرس و يستشير و يحلل نتائج أفعاله المحتملة قبل ان يشرع بها حتى لا يخسر ثقة الأهل به و بالتالي لا يخسر تلك الحرية (من هنا، ستنتقل عملية متابعة السلوك من الوالدين-ضبط خارجي- الى الابن/ ـة -ضبط من الداخل، من الابن نفسه إيمانا بالمبدأ الذي حقق من خلاله ذاته).
قبل الختام، يجب ان لا تكون تصرفاتك كمربي تخالف المبادئ التي تدعوا للالتزام بها فتهدم كل ما بنيته بلحظة. أيضاً، يجب أن تكون أنموذجاً حيا لهذا المبدأ مع نفسك و مع من حولك سواءا كانو كبارا او صغارا. أضف إلى ذلك، يجب أن تكون قوانينك إما داعمة لمبادئك أو أن لا تتعارض معها إلا لأسباب معقولة جداً. إن تعارض تصرفاتك و قوانينك مع مبادئك سيسبب نشوء سوء الفهم لدى الابناء و البنات حولها، و سوء الفهم بدوره سيعيق العملية التربوية بأكملها. المبادئ هي قواعد سلوك عامة، قليلة لكنها شاملة، تحكم أفعال و أقوال الانسان، و تأثيرها على حسن السلوك أجدى و أعمق من القوانين و الرقابة لانها ناتجة عن إيمان داخلي لدى الشخص بأهميتها و نفعها. إن تخبط الانسان في مبادئه سيجعله شخص غير مرغوب فيه. فعدم التزام الشخص بمبادئ معينة تحكم تصرفاته و أقواله يصعّب على الآخرين التنبؤ بطبيعته فيصبح شخصا غير موثوق فيه و بالتالي خطر يضطر الناس لتجنبه (منعا للإطالة، سأكتفي بهذا القدر من الحديث عن المبادئ، و سأختصها بمقالة اخرى بإذن الله).
@hanan_almarhabi
منشورات سابقة
http://halmarhabi.blogspot.com.au/?m=1
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق