السبت، 24 مايو 2014

مبادئ تربوية - مبدأ الاستقلالية و المسؤولية


أحد المبادئ التربوية الهامة و التي أحرص على غرسها في أبنائي؛ "الاستقلالية مع المسؤولية". الاستقلالية بمعنى الحرية بحيث يعطى الابن/ ـة المساحة ليقول أو يفعل ما يشاء (ليجد نفسه و تُبنى ثقته فيها و يقل شغبه ضد كثرة و تضارب قوانين البيت)، و لكن بشرط أن يكون مسؤولا بحيث لا يقدم على أي خطوة من دون أن يفكر، يستشير، يدرس إمكانية تطبيقها و يقدّر مستوى أضرارها سواءا على نفسه او من حوله و ذلك قبل الشروع بها.

و كمكمل للعملية التربوية هذه، قمت بغرس حب الاستقلالية (الحرية) فيهم حتى أصبح تدخلي بوضع قوانين تقتص من حرياتهم من بين أسوأ العقوبات التي يحاولون تجنبها. أيضاً قمت بغرس مفهوم المسؤولية نظريا و تطبيقيا بالمنزل و بين الناس، حتى تكونت لهم صورة شاملة حول الطريقة التي ينبغي عليهم أن يتبعونها في تحديد مواقفهم (تصرفاتهم) مستنيرين بـ "لا ضرر و لا ضرار"، بالاستشارات، و التروي.

و من ناحية التطبيق العملي لهذا المبدأ، فإن نفوذي عليهم تمليه العبارة التالية و التي دائماً ما أرددها على أسماعهم:

أنتم مجتمع صغير، و انا كالحاكم عندكم. الموارد  (كالسوني أو الألعاب أو الحلويات) بالبيت أو بأي مكان تذهبون اليه ستكون محدودة بالتالي قد ينشأ بينكم خلافات كثيرة حولها. اذا تجبر أحدكم او ظلم او تفاقمت مشاكلكم بأن ارتفع الصراخ و اشتعل الغضب او قل الحوار الراشد، سأتدخل بينكم بالقوانين التي قد تحرمكم من الكثير من حرياتكم لكنها ستضع حلولاً لنزاعاتكم. تصرفوا بمسؤولية و عالجوا مشاكلكم بعقلانية و بأمانة و عدل و إيثار و شراكة فيما بينكم و لا تدعوا مشاكلكم تخرج من دائرتكم. فلو وصلتني، سأتدخل مضطرة، بوضع قواعد قد تزاحم المساحة التي كُنْتُمْ تتمتعون بها من الحرية، و هذا قد لا يعجبكم.

من طرائف المواقف:
بدأ اولادي يتنافسون على من يدخل البيت اولا، فتدخلت بينهم بقولي:
يبدوا أنكم لازلتم غير ناضجين لأنكم تتخاصمون على شيء عديم الجدوى و المعنى فلن تغتنمون منه مالاً و لا سلطاناً، هل تريدون قانونا لحل خلافا تافهاً كهذا!!  اذاً انتم لا تعطون قيمة للحرية الممنوحة لكم باعتبار أنكم أصبحتم ناضجين و مسؤولين، فتفاهة مشاكلكم تشعرني بأنكم لازلتم بحاجة الى مزيداً من التدخلات بحياتكم لحمايتكم من سوء تصرفاتكم كصغار لا يحسنون الاختيار و التصرف. (علما بان أعمارهم مابين السابعة و العاشرة)

إن مبدأ الاستقلالية و المسؤولية سيجنبك الحاجة إلى وضع عشرات القوانين التي قد لا تُبنى بطريقة صحيحة فتتسبب في نشوء مشاكل أخرى وليدة قد تضطرك الى فرض مزيداً من القوانين لتصحيحها، فتُدخِل نفسك في دائرة ليس لها نهايات. لكن عندما تعطي الابن/ ـة السلطة ليتحكم هو في نفسه و يديرها بمسؤولية نحو الاختيارات الرشيدة، فأنت ستضرب عصفورين بحجر واحد. أولا: لن تحتاج لوضع المزيد من القوانين بالتالي ستزيل عن نفسك عناء مراقبة تنفيذها و احترامها و الذي عادة ما يزداد طردياً مع زيادة تلك القوانين. ثانيا: انت بهذا المبدأ تعلم الابن/ ـة المسؤولية و الاعتماد على النفس و الثقة فيها و الإبداع (نتيجة انخفاض البيروقراطية و الأنظمة التي تعيق اكتشاف الانسان لذاته) و أخيراً ستدفعه للنضج سريعاً. إن حب الابن/ ـة الفطري للحرية سيدفعه إلى أن يستدرك تهوره فيدرس و يستشير و يحلل نتائج أفعاله المحتملة قبل ان يشرع بها حتى لا يخسر ثقة الأهل به و بالتالي لا يخسر تلك الحرية (من هنا، ستنتقل عملية متابعة السلوك من الوالدين-ضبط خارجي- الى الابن/ ـة -ضبط من الداخل، من الابن نفسه إيمانا بالمبدأ الذي حقق من خلاله ذاته).

قبل الختام، يجب ان لا تكون تصرفاتك كمربي تخالف المبادئ التي تدعوا للالتزام بها فتهدم كل ما بنيته بلحظة. أيضاً، يجب أن تكون أنموذجاً حيا لهذا المبدأ مع نفسك و مع من حولك سواءا كانو كبارا او صغارا. أضف إلى ذلك، يجب أن تكون قوانينك إما داعمة لمبادئك أو أن لا تتعارض معها إلا لأسباب معقولة جداً. إن تعارض تصرفاتك و قوانينك مع مبادئك سيسبب نشوء سوء الفهم لدى الابناء و البنات حولها، و سوء الفهم بدوره سيعيق العملية التربوية بأكملها. المبادئ هي قواعد سلوك عامة، قليلة لكنها شاملة، تحكم أفعال و أقوال الانسان، و تأثيرها على حسن السلوك أجدى و أعمق من القوانين و الرقابة لانها ناتجة عن إيمان داخلي لدى الشخص بأهميتها و نفعها. إن تخبط الانسان في مبادئه سيجعله شخص غير مرغوب فيه. فعدم التزام الشخص بمبادئ معينة تحكم تصرفاته و أقواله يصعّب على الآخرين التنبؤ بطبيعته فيصبح شخصا غير موثوق فيه و بالتالي خطر يضطر الناس لتجنبه (منعا للإطالة، سأكتفي بهذا القدر من الحديث عن المبادئ، و سأختصها بمقالة اخرى بإذن الله).

@hanan_almarhabi

منشورات سابقة
http://halmarhabi.blogspot.com.au/?m=1

الخميس، 22 مايو 2014

عبارات رنّانة

من بين مئات التعابير الجميلة التي سمعتها، هناك عبارتين ظلّت رنانة بذهني في كثير من المواقف:

الأولى سمعتها من احد المحدثين نقلا عن آينشتاين يقول فيها:

"العلم كله لعبة مقارنات"


و الثانية وصلتني عبر صديقتي الحبيبة ريم نقلا عن Dr. Seuss تقول فيها:

Why fit in when you were born to stand out!

كان و لازال لهاتين العبارتين أثر بالغ في نمو قدرتي على فك الكثير من ألغاز المواقف المتشابكة. فبالنظر للأولى، إذا أردت ان استوعب أي شيء, لجأت لعملية عقد المقارنات. فعلى سبيل المثال، نحن نؤمن بأن الشمس جسم متوهج و ضخم، لكن لماذا نصفها هكذا بالتحديد؟ لأن هناك أجسام مشابهة أخرى موجودة معها بالسماء معتمة و صغيرة بالمقارنة. فالعلم بالشيء لا يمكن أن يكتمل إلا بعد تحديد أبرز أوجه الشبه و الاختلاف الموجودة بين صفاته و صفات أقرانه.

أما العبارة الثانية، و مع اني اختلف مع توجهها، فهي تحمل مفهومين هامين لاستيعاب طرق التعامل الاستراتيجي مع المجتمعات الانسانية سواءاً العلمية أو العملية أو الصداقات و غيرها. هذان المفهومان هما fit in  و stand out. فالقبول الاجتماعي هو  حاجة يبحث عنها كل إنسان و تتطلب مبادرات fitting in لينجح في تحقيق ذلك. فمثلا، يستطيع كل شخص أن يحدد المجموعة المتميزة التي يرغب بالانتماء اليها (مجتمع الباحثين أو الأطباء أو الصحفيين أو شلة من الأصدقاء) لكن لن يضمن قبولهم له قبل أن يحقق الحد الأدنى من الشروط التي يتطلبونها (fitting in) كدراسة التخصص مثلا، و بعد مقابلة شروطهم المبدأية و استقراره بينهم، يمكنه ان يبدأ مشواره نحو التميز (standing out), كيف؟ من خلال ما يقدمه من إسهامات تتفوق على ما لدى تلك المجموعة، بالمقارنة مع زملاءه، أو ما يقدمه هو و زملاءه من إسهامات ترفع من اسم مجموعتهم مقارنة بالمجموعات النظيرة. خلاصة الأمر، لا يمكن لإنسان أن يدعي التميز و هو منعزلا عن المجموعات بالمجتمعات الانسانية و معارفها لأن مقياس تفوقه الحقيقي هو تصدر إسهاماته على ما لديهم.

@hanan_almarhabi

منشورات سابقة
http://halmarhabi.blogspot.com.au/?m=1

الخميس، 15 مايو 2014

الشعب السعودي و حب الخير

كثيرا ما اسمع أن الشعب السعودي شعب محب للخير، مقدام له، و غالباً ما يتعاطف مع الجوانب الإنسانية أو حتى مع القضايا التي تختص بالحيوان.

أني و بكل شدة، أؤيد وجهة النظر هذه، و الأمثلة على ذلك كثيرة جداً و من بينها المشاركة السخية في إطعام و كسوة المساكين كعمّال النظافة، الأيتام، و المرضى.

لكن للأسف، نلاحظ ان تلك الأعمال الخيّرة عادة ما تكون فردية، مشتتة، و غير متكاملة مما يضعف من انتشارها و فرص الإتقان فيها نتيجة غياب قنوات التنسيق الاداري، الخبراتي و المعرفي.

الشعب السعودي متميز في حب الخير و العطاء، لكنه شعب لايزال يحتار في تحديد و ترتيب أولوياته. أسباب تلك الحيرة كثيرة و من أهمها ضعف مؤسسات التعليم بالبلاد.

@hanan_almarhabi

منشورات سابقة
http://halmarhabi.blogspot.com.au/?m=1

الثلاثاء، 13 مايو 2014

السياسيون الصغار

يدهشني دخول الصغار في صراعات حامية و ربما مستمرة مناضلين من أجل دعم و حماية مخططاتهم (أجنداتهم).

نعم، لدى الأطفال أجندات و مخططات مثلما لدى الكبار, ترسم خرائط آمالهم و تُفسر جوانب عديدة من سلوكياتهم. فمن أجندة أحد الصغار، تعزيز موقعه كقائد بين أخوانه. لذلك، يدخل هذا الطفل في عراك مستمر مع أشقاءه لأجل، مثلاً، التأكيد على استحقاقه بالجلوس على المقعد الأمامي للسيارة او اقتسام النصيب الأكبر من الحلوى أو الألعاب.

و من أجندة طفل آخر، حماية حقه في حرية اللباس. بالتالي، تترجم هذه الأجندة خطوطه الحمراء و التي اذا حاول الآخرون تجاوزها، دفعت به إلى الصراع الحامي معهم. و من صور حدوده الحمراء، حرية انتقاء الألوان أو الموديلات التي سيرتديها.

ايضاً، من أجندات أحد الأطفال، اكتساب الحرية في اتخاذ قرار الخروج أو اللعب بالشارع. و من صور صراعاته اليومية استمرار جدله و تأكيده على أن هذا من حقه و أن وصاية الكبار ما عادت تجدي نفعاً.

يبني الأطفال أجنداتهم حسب ما تمليه عليهم مخيلاتهم، يحددون على ضوئها آمالهم و تطلعاتهم و السُبُل المؤدية إلى بهجة نفوسهم. يستبق الآباء الحكماء الأحداث بمشاركتهم في بلورة و تشكيل تلك الأجندات عند بدايات نشأتها في أذهانهم و ليس بعدما أصبحت قناعات راسخة و مشاهد متكررة على سلوكياتهم. فالتدخل المتأخر سيؤدي الى جدل كبير و صراعات مستمرة من شأنها أن تُحدث شرخا عظيما في ثقة هؤلاء الأبناء في آبائهم أو تفسد توادهم. كيف يتم التدخل المبكر؟ من خلال التنبؤ ببدايات تكوُّن تلك القناعات بالنظر الى أعمارهم و طبيعة جيلهم، و من خلال ادراك الطبيعة النفسية و ردود أفعالهم المحتملة و كيفية التعاطي معها و ايضا من خلال تكوين فهم عميق لسمات جيلهم و التغيرات التي تطرأ عليه و طرق تسويتها بما يدعم تفوقهم و يحترم بعضا من خصوصياتهم و اختلافاتهم، فليس كل طارئ سيء.

ختاماً، الأطفال مدهشون لانهم سياسيون أذكياء، يباغتون الكبار بفتح جبهات صراع مخططة من أجل دعم و حماية أهدافهم. الآباء الحكماء اذا قرروا التدخل، استعملوا الفهم العميق و التأثير الاستباقي و القول اللين و الجدل الحسن، متحسبين من وقوع شرخٍ في ثقة الأبناء بهم.


إضافة من زاوية مختلفة؛
بمناسبة قولي "ليس كل طارئ سيء"

من المهم أن لا تجعل ابنك يشعر بأنه غريباً في جيله و ذلك لانك تقوم بحشوه من تعاليم و آداب زمنك المنقضي فقط متجاهلاً الفرص العظيمة التي يوفرها له زمنه. في هذه الحالة، ستتركه يواجه عالما لا يفهمهم و لا يفهمونه، ليعيش غريبا في جيله، و بالتالي بدلا من ان يبحث عن فرص للتفوق، سينشغل بالصدمات و الصراعات حتى يتأقلم بينهم أولاً.

@hanan_almarhabi
 

السبت، 10 مايو 2014

الابتسامة.. رسالة سلام


هل تحول معنى الابتسامة من كونها شارة سلام، يطلقها الغرباء لبعضهم، كوسيلة غير مباشرة يقولون عبرها "لك مني الأمان" الى حالة تستثير قلق البعض أو ربما اشمئزازهم حينما تقصدهم.

إن كان الحال كذلك، فلا أعتقد أن المشكلة في مجرد أن يبتسم أحدهم، إنما في الطريقة المتشائمة و النظرة القاتمة التي استألفها البعض و استعملها بإخلاص كبير و بعمومية لا تستثني شيئا في تفسير  و فهم ظواهر الحياة الطبيعية و متغيراتها، فشملت بذلك، و بكل أسف، الابتسامة.


للتذكير، فلعل الذكرى تنفع المؤمنين:

 " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق " [ رواه مسلم ]

(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)

(اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)

@hanan_almarhabi

منشورات سابقة
http://halmarhabi.blogspot.com.au/?m=1