الجمعة، 14 فبراير 2014

ضجيج المعلومات و حالات القلق الكبير

المعلومات عبارة عن مفاهيم و علاقات مقترحة فيما بينها. و المفاهيم تعبر عن أوصاف تكونت في أذهاننا لموجودات في الكون مثل مفهوم المنزل الذي يصف شيئا يتكون من حيطان و أبواب و نوافذ، يُجهز ليسكن فيه الإنسان. و قد تختلف أوصاف هذا المفهوم في الأذهان من شخص لآخر فتزداد او تنقص في تفاصيلها. أما العلاقات التي يتم اقتراحها بين المفاهيم لتكوين المعلومات فقد تكون سببية (مثل...ا: تبصر العين نتيجة وجود الضوء - لدينا مفهومان هنا؛ العين و الضوء و العلاقة سببية) او علاقات جزئية (مثلا: النافذة جزءا من المنزل) أو علاقات تكاملية (يتكون البيت من حيطان و نوافذ و تمديدات كهرباء و ماء) أو غيرها من انواع العلاقات.

إذًا كيف يحدث ضجيج المعلومات!!

يقوم الناس باستخدام مصطلحات لغوية (مفاهيم) لتكوين الجمل في خلال حواراتهم الشفهية أو منشوراتهم الكتابية و أحيانا لا يكونون دقيقين في تفصيل معانيها التي يقصدونها و يتركون المجال للمستمع او القاريء مفتوحا ليحددها كما تبدوا له في ذهنه. فكلمة تربية مثلا تختلف في مفهومها و مجالاتها في أذهان الناس فيحدث ضجيجا حول معناها عند تداولها و ينتج عن ذلك سوء الفهم.
و وجود الضجيج في المفاهيم، سينتج عنه لا محالة ضجيجا أعظم عند اقتراح العلاقات فيما بينها لتكوين الجمل و العبارات، لانه من الصعب جدا أن يتم الربط بين شيئين غير محددين. فعلى سبيل المثال، سأقوم باقتراح علاقة بين مفهومان قد لا نتفق في معناهما لنرى كيف سيكون مستوى الضجيج (و سوء الفهم) عندها. إليكم المقترح:

"ظهرت العولمة نتيجة التقدم التكنولوجي".

العقول الذكية ستكتشف الضجيج فورا و تطرح العديد من الأسئلة التوضيحية حول تعريفات المفهومان (العولمة و التكنولوجيا) كما كان يقصدها المتحدث و الكيفية التي نشأت عنها العلاقة السببية بينهما (أسئلة مثل: ماهي العولمة؟ و عن أي تقدم تكنولوجي نتحدث؟ ثم كيف كان التقدم التكنولوجي سببا لظهور العولمة؟). و إذا لم يتم الإجابة عن تلك الأسئلة، ستبقى العبارة لا معنى لها و مردودة لصاحبها.
___________________

مما سبق، يمكن ان تكون الصورة واضحة لنقول أن وسائل التواصل الاجتماعي (خاصة الواتس أب و البلاكبيري ماسنجر) إلى جانب وسائل الإعلام التقليدية أصبحت مصدر ضجيجا مزعجا للمعلومات و الأخبار غير المكتملة أو المشوهة او المتناقضة او المفبركة و المضللة و التي قد تتحول الى شائعات في أي لحظة نتيجة القبول الواسع الذي تحظى به رغم الغموض الذي تحمله مصطلحاتها.
إن العقول التي تاخذ الأمور بسطحية و لا تحاول أن تتحقق بجدية في المعاني المقصودة من تلك المصطلحات الواردة بالمنشورات و كيفية نشوء العلاقات فيما بينها، سوف تتورط في حيرة كبيرة اذا أرادت معالجة مشكلاتها أو اتخاذ قراراتها باستخدام مخزونها المعرفي "المغلوط أو المضلل" و الذي تكوّن نتيجة سماحها لتراكم ترسبات هائلة من المفاهيم غير المحددة بدقة او المبالغ فيها و العلاقات غير المتسقة أو التي ترمي بمغالطات* مستمرة لافتقارها للإختبارات (أو الدراسات) المنهجية او التجريبية. ذلك الشخص، سيرى العالم على غير حقيقته و سيعيش جوا من الأوهام تجعله متراجعا في كل شي لأنه يتعامل مع الحياة على صورة غير صحيحة و يتعاطى مع قضاياها بغير أدواتها الملائمة. تلك العقول ستجرف أصحابها إلى حالات من القلق الكبير نتيجة استمرار حدوث الفشل بحياتها و تكرار اتخاذها لقرارات مضطربة نتيجة التشويش الذي تعيشه من ذلك الضجيج الذي تستقبله عن غير وعي.

من الضروري الوقوف بجدية و إعادة النظر بموضوعية (من دون تحيز او عاطفة) في المعاني الحقيقية للمصطلحات أو المفاهيم المتداولة بالمنشورات و وسائل الاعلام و التحقق من اتساق و سلامة العلاقات التي يتم افتراضها بينها و ذلك لحماية عقولنا و رفع مستويات ذكائنا و استيعابنا للحياة على صورتها الصحيحة لنتمكن من التعامل معها و بأفضل الأدوات.

 __________________________
 * معنى "المغالطات" المستخدم بالمقال:
هي علاقات سببية تضليلية، يقول احدهم مثلا، اذا لم تنام مبكرا لن تدرك المحاضرة، و اذا لم تدرك المحاضرة ستخسر علامات، و اذا خسرت علامات، لن تنجح، و اذا لم تنجح، لن تتوظف، و اذا لم تتوظف، ستعيش فقيرا، و إذا عشت فقيرا، ستصبح سارقا، و هكذا، اتساقا سببيا يبدوا منطقيا لكنه نوعا من ضروب المغالطات.

hanan_almarhabi@

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق