الأحد، 23 فبراير 2014

سياسة الاستخدام العادل

يشهد سوق الاتصالات السعودي حالة غير مستغربة من تصاعد في حدة المنافسة بين الشركات المشغلة فيه. تسعى كل شركة إلى تسجيل أعلى نسبة من المشتركين و ذلك من خلال إيجاد فرص جديدة تستجيب لاحتياجات الأفراد او الاعمال المتجددة او من خلال الترويج الإعلاني المستمر.

إن الدافع الأكبر لتلك الأنشطة هو كسب الأرباح من وراء تنمية مستوى المبيعات. و لا شك أن تحقيق أرباح متصاعدة يعتبر تميز يُحسب في صالح الجهاز الإداري للشركة، و لكن يجب ان لا يكون ذلك التفو...ق على حساب جهل المستهلكين بالأمور الفنية أو التلبيس عليهم باستخدام سياسات غير واضحة و لا مقننة, تُناقض ما تم الترويج له بوسائل الإعلان.

لقد ظهرت في الآونة الأخيرة شكاوي عديدة من مستخدمي موبايلي للانترنت و ذلك نتيجة وقوعهم في نوع من الغش عبر خدمة ال 4جي حينما قامت الشركة بتسويق سرعات زعمت انها الأعلى و بشكل لا محدود. و الحقيقة الغائبة، أن الشركة قامت بالتلاعب بالمصطلحات التسويقية و قدمت عرضها اللامحدود و لكن بشكل جديد ابتكرته ليكون مقيدا و بطريقة غير مباشرة يصعب على المتعاقد استيعابها. قامت الشركة بفرض السرعات المخفضة جدا (١٠٠كيلو بايت هبوطا من ٦٠٠٠كيلوبايت) وذلك اذا تجاوز المستخدم 15 جيجا بايت بالأسبوع. لم تقم الشركة بالإفصاح عن تلك "المحدودية" لا في حملاتها الترويجية و لا في مستندات التعاقد و لكن حاولت إخفائها تحت مظلة سياسة غير واضحة أطلقت عليها سياسة الاستخدام العادل. و بمباركة من تلك السياسة المبهمة، وقع العديد من المستهلكين في الفخ و أبرموا عقودهم مع الشركة و قبلوا بأسعار تأسيس و خدمات جداً مرتفعة مقارنة بمنافسيها. و كمفاجأة غير منتظرة، لاحظ المشتركين ظهور تباطؤ غير مألوف في سرعات الخدمة و عندما قاموا بالاستفسار عن أسباب تلك المشكلة رد عليهم موظفي خدمة العملاء بأنهم قد تجاوزوا الحد المسموح به من الجيجا بايت بالأسبوع!.

كان يجب على موبايلي التصريح بتلك المحدودية في السرعات عبر اعلاناتها أو من خلال عقودها و عدم اللجوء الى إخفائها خوفا من عدم قبول العملاء بها. و ايضا، يفترض عليها و على غيرها من مزودي خدمات الانترنت التفصيل في شرح معنى الحد المسموح به من الجيجا بايت بالأسبوع من خلال ضرب أمثلة لحجم مقترح باستخدام مقاييس أقرب لأفهام المستهلكين كطول ساعات اليوتيوب المتاحة او ساعات أفلام إتش دي. ذلك لانه من السهل جدا التلاعب على المستهلك فنيا و اخباره بأن الحد المسموح به هو مثلا ١٥ جيجا بايت و هو بالحقيقة لا يتجاوز الخمس جيجا بايت بكواليس الشركة ليتفاجأ المغبون بهم بانقطاع يعقب مشاهدتهم لساعات قليلة جدا من الفيديوهات.

ختاما، يجب على موبايلي تصحيح خطأها بتعويض المستهلكين و الاعتذار منهم عن قيامها بترويج خدمات إنترنت زعمت بأنها لا محدودة مع إخفائها لنيتها في جعل سرعاتها مقيدة بمعدل استهلاك الجيجابايت، أو أن يلجأ المستهلكين إلى رفع دعاوي قضائية ضدها لعدم توفيرها لتلك التفاصيل و التي تبينت انها تناقض ما قامت بالترويج له. إن ذلك التحايل الذي تمارسه تلك الشركات لن يتوقف اذا لم تتصاعد المطالبات بمعاقبتها و بالزامها تقديم مزيدا من الشفافية و المصداقية عند الترويج لعروضها. حتى الساعة، لا تزال عروض موبايلي لل٤ جي اللامحدود قائما و لا يزال الإقبال عليها مستمرا رغم تزايد الشكاوي حولها.


@hanan_almarhabi

الثلاثاء، 18 فبراير 2014

وطنٌ كالحلم

لو أحببنا تعريف الوطن على انه مساحة من الارض يشترك في العيش عليها مجموعة من الناس (يطبقون نظاماً أخلاقياً او دينياً يرضونه و عليهم مسؤوليات و واجبات وطنية)، بالتالي يمكننا القول بالمثل في شأن المنزل و الأسرة التي تعيش فيه.

الأسرة تبحث عن تحقيق عالم مثالي مصغر بين جدران البيت. الأم و الأب و الأطفال يشتركون في العيش بتلك المساحة الصغيرة و يعملون معا لأجل استمرار علاقتهم و تأمين وجودهم. يقترحون نظاما يحكم تعاملاتهم و يفك النزاعات التي قد تتولد نتيجة تعارض أهدافهم، يشتركون في بع...ض أحلامهم و يتناقضون في بعضها و لكن يحترمون اختلافهم.

البيت هو الوطن الصغير، و لكي يكون عالما سعيدا أو ناجحا، يحتاج أن يسكنه مواطنون لديهم فهم عميق لأدوارهم و مسؤولياتهم ليس فقط كأفراد، إنما كمجموعة، بحيث لا يرتاح بال الفرد منهم حتى يرى كل ما يمس استقرار ذلك البيت قد تم إصلاحه و على أمثل وجه. ايضا، أفراد ذلك الوطن النبيل اذا حدث بالبيت خللا او نقصا، شعروا به على الفور و باشروا تصحيحه و بتفاني من دون انتظار او تخاذل أو ترحيل للأدوار. فالطفل فيه مثلا، لا يحتمل منظر الماء ينسكب أو الألعاب تبقى مبعثرة مدة طويلة و لا يفعل شيئا من نفسه. و الأب يشعر بأهمية مشاركته في إنجاز و دعم ما لم تستطيع أفراد الاسرة إتمامه فيما يتعلق بضروريات و مستقبل حياتهم او حتى الشؤون اليومية الصغيرة لمنزلهم و التي قد تبدو له كأعمال حقيرة لكنها بالنسبة لمن قام بالاهتمام لأمرهم، دافعا كبيرا للمودة و مقوياً للترابط العائلي و معززاً لاستمراره. و اذا أحسّ الأخ الأكبر أن اخوته الصغار يواجهون مشكلات في دراستهم، شعر بذلك و على الفور تولى مسؤوليتهم من دون أي تفكير في مقابل، إنما احساساً منه بالواجب الذي ينتظره ليدفع بتلك الأسرة للأفضل. كمجتمع مصغر، بيت كهذا، هو صورة لوطنٍ كالحلم، مثالي بأفراده الواعين لأدوارهم و مستقبل مجموعتهم كوحدة و أهل التفاني.

 hanan_almarhabi@

الجمعة، 14 فبراير 2014

ضجيج المعلومات و حالات القلق الكبير

المعلومات عبارة عن مفاهيم و علاقات مقترحة فيما بينها. و المفاهيم تعبر عن أوصاف تكونت في أذهاننا لموجودات في الكون مثل مفهوم المنزل الذي يصف شيئا يتكون من حيطان و أبواب و نوافذ، يُجهز ليسكن فيه الإنسان. و قد تختلف أوصاف هذا المفهوم في الأذهان من شخص لآخر فتزداد او تنقص في تفاصيلها. أما العلاقات التي يتم اقتراحها بين المفاهيم لتكوين المعلومات فقد تكون سببية (مثل...ا: تبصر العين نتيجة وجود الضوء - لدينا مفهومان هنا؛ العين و الضوء و العلاقة سببية) او علاقات جزئية (مثلا: النافذة جزءا من المنزل) أو علاقات تكاملية (يتكون البيت من حيطان و نوافذ و تمديدات كهرباء و ماء) أو غيرها من انواع العلاقات.

إذًا كيف يحدث ضجيج المعلومات!!

يقوم الناس باستخدام مصطلحات لغوية (مفاهيم) لتكوين الجمل في خلال حواراتهم الشفهية أو منشوراتهم الكتابية و أحيانا لا يكونون دقيقين في تفصيل معانيها التي يقصدونها و يتركون المجال للمستمع او القاريء مفتوحا ليحددها كما تبدوا له في ذهنه. فكلمة تربية مثلا تختلف في مفهومها و مجالاتها في أذهان الناس فيحدث ضجيجا حول معناها عند تداولها و ينتج عن ذلك سوء الفهم.
و وجود الضجيج في المفاهيم، سينتج عنه لا محالة ضجيجا أعظم عند اقتراح العلاقات فيما بينها لتكوين الجمل و العبارات، لانه من الصعب جدا أن يتم الربط بين شيئين غير محددين. فعلى سبيل المثال، سأقوم باقتراح علاقة بين مفهومان قد لا نتفق في معناهما لنرى كيف سيكون مستوى الضجيج (و سوء الفهم) عندها. إليكم المقترح:

"ظهرت العولمة نتيجة التقدم التكنولوجي".

العقول الذكية ستكتشف الضجيج فورا و تطرح العديد من الأسئلة التوضيحية حول تعريفات المفهومان (العولمة و التكنولوجيا) كما كان يقصدها المتحدث و الكيفية التي نشأت عنها العلاقة السببية بينهما (أسئلة مثل: ماهي العولمة؟ و عن أي تقدم تكنولوجي نتحدث؟ ثم كيف كان التقدم التكنولوجي سببا لظهور العولمة؟). و إذا لم يتم الإجابة عن تلك الأسئلة، ستبقى العبارة لا معنى لها و مردودة لصاحبها.
___________________

مما سبق، يمكن ان تكون الصورة واضحة لنقول أن وسائل التواصل الاجتماعي (خاصة الواتس أب و البلاكبيري ماسنجر) إلى جانب وسائل الإعلام التقليدية أصبحت مصدر ضجيجا مزعجا للمعلومات و الأخبار غير المكتملة أو المشوهة او المتناقضة او المفبركة و المضللة و التي قد تتحول الى شائعات في أي لحظة نتيجة القبول الواسع الذي تحظى به رغم الغموض الذي تحمله مصطلحاتها.
إن العقول التي تاخذ الأمور بسطحية و لا تحاول أن تتحقق بجدية في المعاني المقصودة من تلك المصطلحات الواردة بالمنشورات و كيفية نشوء العلاقات فيما بينها، سوف تتورط في حيرة كبيرة اذا أرادت معالجة مشكلاتها أو اتخاذ قراراتها باستخدام مخزونها المعرفي "المغلوط أو المضلل" و الذي تكوّن نتيجة سماحها لتراكم ترسبات هائلة من المفاهيم غير المحددة بدقة او المبالغ فيها و العلاقات غير المتسقة أو التي ترمي بمغالطات* مستمرة لافتقارها للإختبارات (أو الدراسات) المنهجية او التجريبية. ذلك الشخص، سيرى العالم على غير حقيقته و سيعيش جوا من الأوهام تجعله متراجعا في كل شي لأنه يتعامل مع الحياة على صورة غير صحيحة و يتعاطى مع قضاياها بغير أدواتها الملائمة. تلك العقول ستجرف أصحابها إلى حالات من القلق الكبير نتيجة استمرار حدوث الفشل بحياتها و تكرار اتخاذها لقرارات مضطربة نتيجة التشويش الذي تعيشه من ذلك الضجيج الذي تستقبله عن غير وعي.

من الضروري الوقوف بجدية و إعادة النظر بموضوعية (من دون تحيز او عاطفة) في المعاني الحقيقية للمصطلحات أو المفاهيم المتداولة بالمنشورات و وسائل الاعلام و التحقق من اتساق و سلامة العلاقات التي يتم افتراضها بينها و ذلك لحماية عقولنا و رفع مستويات ذكائنا و استيعابنا للحياة على صورتها الصحيحة لنتمكن من التعامل معها و بأفضل الأدوات.

 __________________________
 * معنى "المغالطات" المستخدم بالمقال:
هي علاقات سببية تضليلية، يقول احدهم مثلا، اذا لم تنام مبكرا لن تدرك المحاضرة، و اذا لم تدرك المحاضرة ستخسر علامات، و اذا خسرت علامات، لن تنجح، و اذا لم تنجح، لن تتوظف، و اذا لم تتوظف، ستعيش فقيرا، و إذا عشت فقيرا، ستصبح سارقا، و هكذا، اتساقا سببيا يبدوا منطقيا لكنه نوعا من ضروب المغالطات.

hanan_almarhabi@

الجمعة، 7 فبراير 2014

بين الربحية و العمل الإنساني

كنت دائماً أتمنى ان اسمع عن نماذج متقدمة من الأعمال الإنسانية تُصاغ أفكارها و تخرج للعالم من بيئتنا. و رغم تراجعنا، لا يجب أن نيأس، لانه ستأتي بإذن الله أجيالا أكثر وعيا و حساً بالشعوب الفقيرة او المنكوبة و سيكون لديهم أساليب معالجة -للفقر او التعليم او الصحة- افضل و اكثر تقدما. لكن قبل ان يتحقق ذلك الحلم، نحتاج الى ان نتحدث بشفافية و نتأمل في مكمن الخلل - شركاتنا العملاقة. لماذا؟ لانها اكثر الجهات قدرة في مجالات العمل الخيري أو الإنساني لكن يبدوا انها متجاهلة الأمر تماماً.

اذا تصفّح احدنا قوائم الشركات المالية سيتفاجأ من حجم الدولارات من الأرباح الصافية السنوية و التي تصل احيانا الى المليارات، تجني معظمها من جيوب سكّان و خيرات البيئة التي تعمل بها. بالتالي، من الطبيعي ان نتسائل، ماهو مستوى إسهاماتها الإنسانية أو الإصلاحية أو التطويرية كجزء مهم من تلك البيئة (ذو مُوَاطنة اعتبارية). نحن نسمع عن مساهمات الأفراد للقضاء على الفقر و إسعاد المساكين و المحتاجين في صوَرِ الصدقات والزكوات لكن لا نسمع عن أعمال شبيهة من شركاتنا العملاقة!!

و في الوقت الذي نشاهد فيه شركاتنا تتنافس بشراسة لالتهام آخر هللة بقيت بجيب المستهلك، نرى قوقل تخطط لإطلاق مشروعها الإنساني الضخم للقارة الأفريقية و جنوب شرق اسيا و تسخر جزءا لا يستهان به من مواردها لتطوير خدمات الانترنت و سرعاته بتلك المناطق. ليس هذا فحسب، بل تبذل الشركة جهودا بحثية كبيرة لابتكار بالون يعتمد على الطاقة الشمسية ليخدم نفس الغرض في المستقبل القريب. إن إجحاف الشركات المحلية لبيئتها يجعلها متأخرة في ابتكاراتها لمعالجة مشاكلها، فكيف تتوقع منها البروز دوليا باعمال إنسانية مبتكرة و ناجحة!!

نحن ننتظر أن نسمع عن نماذج لشركات محلية تقوم بمشاريع تطويرية تخدم بإنسانية (لا ربحية خالصة) مجتمعاتها التي تستمد منها مواردها و أرباحها. إن تلك الممارسات ستعود عليها بمنافع كبيرة من بينها تعزيز سمعتها و كسب ولاء المتعاملين معها نتيجة حسن مواطنتها. أيضاً، ان المساهمة في تحسين الظروف المعيشية او التعليمية او الصحية لسكان البيئة التي تعمل بها تلك الشركات سينعكس على أرباحها و استمراريتها. ذلك لأن من بين سكانها عملائها و موظفيها و مستثمريها الذين يشكلون عاملا هاما لتدوير مخزونها و مبيعاتها و تعزيز رأسمالها. فمثلا، إذا تدنّت الصحة و انتشرت الأوبئة، فمن أين تستقدم عاملين و كيف تُجنّب الشركة نفسها تكاليف وقايتهم!. و اذا انتشر الفقر، فمن سيكون زبائنها!. اذاً العملية تحتاج الى اعادة نظر من شركاتنا لنرى منهم و في القريب العاجل مشاريع إنسانية مركّزة تعود بنتائج إيجابية تراعي مصالح الجميع في وقت واحد.

hanan_almarhabi@