الأربعاء، 24 يونيو 2015

بعض علامات أشباه العلماء في أي مجال علمي



قبل البدء, لماذا نحتاج إلى التفريق بين العلماء و أشباه العلماء؛ ببساطة لأن المعلومات التي يقدمها أشباه العلماء  عادة ما تكون ناقصة أو مشوهة نتيجة لسوء فهمهم. و هي بدلا من أن تساعدنا على مواجهة الحياة و التغلب على عقباتها, تخلق لنا الحيرة و توقعنا في أخطاء و صدامات مع الآخرين أو تضلنا عن الحكمة, و قد قال الله تعالى (و من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا).


فما هي علامات أشباه العلماء على اختلاف مجالاتهم العلمية, كي نحتاط عند الاستماع لهم؛


- قد نتعرف عليهم عن طريق الشهرة التي كسبوها سريعا لجاذبية مظهرهم أو خطابهم الشيق و الموافق لتطلعات الناس البسيطة, و ليس لأعمالهم المتقدمة و المتميزة و لا لقبول العلماء لهم و لا لسيرتهم الغنية بالمؤلفات.


- يكررون المواضيع التي يرددها الناس و يرددها أنصارهم بشكل مستمر. فهم لا يملكون من العلم سوى القصص و تحديثها و لكن من دون عرض مصادرها (يوجد شك بأنها غير واقعية).


- إذا تحدث أحدهم لا يعتمد على مصادر، و اذا ذكر بعض المصادر، لا يستطيع أن يحقق فيها، و لا يعرض سوى الموافقة لرأيه فقط. لا يشعرك بوجود إختلاف بالقضية رغم علمه بوجوده و عظمه، يميل إلى إخفاء العلم من باب الوصاية العلمية على أتباعه.


-  اذا بحثت في سيرته لا تجده يملك مؤلفات، و لا منشورات علمية تبرهن على سعة إطلاعه و تعرض مصادره.


- يؤمن بأن رأيه ثابت و صحيح مئة في المئة و في كل الظروف. العلماء الحقيقيون لا يؤمنون بالصحة المطلقة للحقائق العلمية المثبتة و المجمع عليها، فكيف إذن بالآراء المختلف فيها.


- يعلم تلاميذه بأن الحقيقة تعتمد على رقي و مكانة قائلها و ليس على قوة الدليل و الحجة. قد يكون دافعه من ذلك هو ترسيخ المرجعية العلمية لنفسه ليبقى الناس تبعا له و لمدرسته العلمية.


- كل المسائل في نظره إما بيضاء أو سوداء، لا يعرف أن يتوسط في مسألة بين الأمرين و لو اختلف فيها السابقون، يظل يؤكد أن موقفه هو الصحيح مطلقا و الآخر خاطئ مطلقا، و قد يصل الامر معه إلى  التعصب و شتم مخالفيه من العلماء (نموذج أخلاقي لا يمكن أن يقارن بأخلاق العلماء).


 - لا يعلم تلاميذه التدبر و التفكر في المسائل، إنما التلقي الأصم.


- يتناقض مع ذاته و لا يدرك ذلك لضعف حصيلته العلمية.


- اذا خالفته الحقيقة أبدى عدم احترامه لها أو كذبها و عرضها على غير صورتها, و إذا تلقى سؤالا مشككا, يميل إلى الخروج عن الموضوع و تحويله إلى الجدل الشخصي و طعن النوايا, فهو لا يملك القدرة على الرد العلمي الشافي على أسئلة المعارضين.


- يفضل أن يسير كما يريد جمهوره لا كما تقول الحقيقة، و بالتالي تتلون قضاياه كونها قضايا الشارع (الجمهور) و ليست القضايا الكبرى بمجاله (يخشى إن تكلم في قضايا مجاله أن يفقد اهتمام متابعيه، فقد لا تخصهم أو قد لا يفهموها).


كانت هذه أبرز علامات أشباه العلماء, و إن أدركت بعضها في أحدهم فهي دلالة كافية لتحذر من جعله مصدرك العلمي الوحيد, و عندها ينبغي أن تعدد المصادر حتى إذا أخطأ لا تنجرف معه في الخطأ و أنت لا تعلم.



السبت، 30 مايو 2015

تعقيبا على مقالي بعنوان - تحديات المشاريع الصغيرة .. مصادر التمويل

أتذكر كذا مرة جلست مع أخوات و تحدثن معي عن مشاريع ببالهم و أفكار حلوة لكن اللي معقدها عليهم رؤوس الأموال و هي مشكلة متوقعة و يواجهها معظم رواد الأعمال الناشئين

المقال (الرابط بالأسفل) كان يعدد المصادر اللي ممكن تمول منهم مشروعك الصغير

بس البشرى هي برنامج كفالة من صندوق التنمية الصناعية السعودي، أدعو كل من يملك فكرة مشروع انه يقرأ عن البرنامج و يفهم شروطه و يحاول يقابلها بإصرار و لا ييأس، لانه من أقوى البرامج اللي ساهمت بها الحكومة لدعم المشاريع، فهو يقدم ضمانات للبنوك عشان تعطيك التمويل لمشروعك، و البنوك تجاوبت مع البرنامج بشكل لافت و محفز، كل اللي عليك اعداد دراسة جدوى من مكتب، و تقنع البنك بفرص نجاح مشروعك و احرص على أن تكون ارقامك عن المبيعات و الأرباح دقيقة وفقا لدراية و فهم بكل التفاصيل، لان البنك ذكي جدا و يفهم بالتجارة مرة كويس، و يفهم فرص نجاحك، و ممكن يسألك في التفاصيل و يعقد الأسئلة عليك حتى يعرف مستوى فهمك و قدرتك على الادارة و تجنب المخاطر، اذا ما عرفت تجاوب على أسئلته بشكل قوي و مقنع، اعذره لانه لابد يرفض عشان يحمي إيداعات الناس، عشان كذا مهم تمتلك مهارات عالية في الpresentation و تجهز مشروعك مرررة كويس

صندوق التنمية يقدم كمان دورات تساعدك تكون أقوى في فهم و بناء و عرض مشروعك للبنك، و بالتالي تصير أقوى في إقناعه، اغتنم الفرص اللي ما اتوقع تلاقى مثلها باي دولة ثانية 󾌧

نقطة اخيرة

نسبة تعثر المشاريع اللي كفلها البرنامج منخفضة جدا، حوالي ١٪ و هذا معناه الإعداد كان قوي لتلك المشاريع و الشباب اللي حصلو على الموافقة كانو فعلا جاهزين و فاهمين مرة كويس لمشاريعهم و للسوق فنجح معظمهم، يعني حلو ان البنك يضغط على الشباب يدرسون مشاريعهم تمام لانه بالنهاية ح يصب في نجاح و جودة التخطيط لمشاريعهم بالدرجة الاولى، فترتفع معهم فرص النجاح، و العملية مكملة

بالتوفيق للجميع 󾁁

رابط المقال
http://t.co/C1rl0qE4eq

@hanan_almarhabi

يا جماعة فاهمين الإصلاح خطأ - مجتمعنا كله أمل و إيمان

تعقيبي لمشاركة طرحتها زميلة بالبعثة عبر قروب بالواتس:

اللي ما يملك حلول لمجتمعه، إما يطلع لك ناقد أو منتقص له باستمرار، او احيانا قرفان منه على الآخر 

مو كذا نحل مشاكلنا، نحتاج للصبر، و نحتاج لامتلاك قدرة على تقريب علومنا النظرية مع واقع مجتمعنا و خصائصه لانه طبيعي بالبداية يكون في فجوة gap في فهمنا له وفقا لما تعلمناه نظريا، و البعض يتوتر من الأخطاء اللي في مجتمعه و لا يدري ان سر توتره الحقيقي هو هذا ال gap اللي أحال عليه فهم مجتمعه و التجاوب الصحيح و الإصلاحي معه بناءا على علمه و ثقافته 
معظمنا كمبتعثين نملك ثقافة عالية، و اقل وحدة فينا بالتأكيد تتفوق ثقافيا (أو حتى بالتجربة بالغربة) على الملايين في مجتمعنا، يعني فرص الإصلاح على أيدينا واسعة، مابقي غير نفهم مجتمعنا صح، و نفهم كيف نقدر نساعده و نرتقي فيه بدون توتر و أعصاب و قلق ماله لزوم، و كأنها خلصت الحلول، و هي طبعا ما خلصت غير في عقل اللي يظن انها خلصت، أما البقية و المجتمع لسه فيه الخير و زيادة.

نحن ما بنساهم في إصلاح أمة منحطة (مثل ما اصلح الأمريكان أمريكا من الانحطاط و الظلم و الاستعباد للأفارقة و حولوهم الى الرقي و الانسانية و الحضارة)، و لكن بنحاول نصلح بلد مشبعة نفوس أهلها بالخير و الأمل و الايمان، بس محتاجة زيادة وعي في بعض الأمور اللي استجدت بالحياة و ما لحقو عليها لتأخر التعليم و الاعلام.

الخميس، 26 مارس 2015

فكر و ثقافة.. تعليق خفيف (1)

عبد الحميد العمري في حديث ساخن لـ #برنامج_ياهلا عن قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء
http://youtu.be/qnS2XBzOqq0


الحوار شيق و انصح بمشاهدته. و عندي تعليق عليه

اولا؛ حبيت ثقة الاقتصاديين؛ عبدالحميد العمري و خالد العثمان في أفكارهم و هم يعرضونها، و حبيت اهتمامهم بتوفير التفاصيل حتى يعطون المستمع القدرة على تقييم ما يقولونه و الحكم الصحيح (فيه احترام لحق المستمع للفهم باستقلالية و وعي كافي قبل القبول و الحكم (لا للتبعية العمياء، لا للاستعباد المعرفي)، و فيه مساعدة ليرتقي المستمع بثقافته الاقتصادية )

ثانيا؛ بما انه الحمدلله عندنا مثل هذه النماذج من المتحدثين من ذوي الخبرة الكبيرة في الاقتصاد و الخطاب الواضح، لماذا يستسهل البعض أمر الاستماع لمتحدثين يدلون بآراء ليست من العلوم التي عرفوا بها أصلا و لا تمت بأي صلة لخبراتهم او شهاداتهم او معارفهم بالحياة، و اذا أعطوا رأي، يدعمونه بسطحية (بمبررات يستطيع ان يتوصل اليها رجل الشارع العادي) أو يدعمونه بغير وضوح، فيقودون انفسهم و بلادهم لمشاكل و احباط كبير. مهما كانت دوافع أولئك المتحدثين الخيرية او حسن نواياهم، اعتقد لازم نضع حد لهذا حتى نرتقي بثقافتنا فما نسمح لأحد يعبث بنا و يأخذنا لاتجاهات غير صحيحة. العلوم الصحية نستشير فيها الطبيب، الاقتصاد نستشير الاقتصادي، التقنية التقني، و هكذا. فقد توسعت المعارف و تعقدت.

لماذا اقول هذا؟ لانه رأيت بنفسي متحدثين من ذوي الشعبية الجماهيرية يكررون معارضتهم لقرارت اقتصادية جيدة مثل قرار فرض رسوم الاراضي البيضاء، قد يكون من حسن نية أو جهل بتخصص الاقتصاد، لكن رأيهم اقتصاديا خاطئ، و قد يكونون مرتشين من تجار العقار او ملاك الاراضي البيضاء، و بحكم شعبيتهم، سيؤثرون على الرأي العام سلبا و يأخذون الناس نحو طريق يضر بمستقبلهم و استقرارهم المادي، نتيجة للثقة التي جائت في غير محلها. و بالمناسبة، هذا النوع لا يتحدث بالتفاصيل لدعم رأيه، لانه لم يتعود على أن يتعب نفسه في اعمال الدراسة و البحث لتكوين معرفة صلبة، و قد لا يستطيع بالاساس لتعقد و توسع علوم الاقتصاد و الاستثمار، أو قد يعتقد ان ذكاء مستمعيه المعرفي منخفض، لانه لم يعتاد أن يطالبونه بتفاصيل واضحة و عميقة حتى يتسنى لهم الحكم على مقولاته بوعي كافي و باستقلالية.

تعقيبا على سسلة مقالاتي في إصلاح التعليم بصحيفة مكة

قد يتسائل البعض عن علاقة مؤهلاتي العلمية (بشكل عام إدارة الاعمال و المنظمات) و عن قدرتي للخروج بمناقشة جيدة للقضية.

أحب أن أنوه أن السلسلة تأتي من منظور إداري, بمعنى أنني أقوم بتقمص دور مسؤول إداري أو قائد إصلاحي, و أتخيل كيف سأقوم بإدارة موارد و بشر و عمليات تطوير بمنظمة ضخمة بحجم وزارة التعليم و كيف ينبغي أن أفكر و أخطط و أبحث و أستغل شتى  المعارف ذات العلاقة كي أضع استراتيجيات و أنظمة و سياسات و أقسام و لجان تعالج بعمق مشاكلها, و الحقيقة هذا من صميم مجالي التخصصي, الإدارة و التنظيم.

فكما نحتاج إلى خبراء في التعليم, سيحتاج التعليم لخبراء في الإدارة و التنظيم ليقوموا بسد الفجوة المعرفية بالأمور التنظيمية و الإدارية التي بالعادة لا يملكها خبراء التعليم.

و الأمر الثاني, أنا لست بعيدة عن مجال التعليم, فقد قضيت فيه سنوات كطالبة بمدارس عدة و 3 جامعات (2 سعودية, و واحدة استرالية), و سنوات كمعيدة في جامعة الملك سعود. و ما ألاحظه في وزارة التعليم هي مشكلات ناتجة عن أخطاء تنظيمية بالأساس, أما الحاجة للمعرفة المتخصصة و الدقيقة بمجال التعليم فهناك اكثر من طريقة لإقتناءها عبر المقارنة بالنماذج الدولية الناجحة و استشارة خبراء التعليم او القراءة لمقالاتهم, و في الغالب لن أتطرق لها بعمق لأن مشاكل التعليم بالسعودية ليست معقدة, و في اعتقادي منبعها الاساس مشكلات تنظيمية, و هي معروفة و على كل لسان و لكن الحلول غير راشدة أو متأخرة لضعف الرؤية و فشل الاستراتيجيات السابقة.

رابط مقالاتي بصحيفة مكة: إضغط هنا




الأربعاء، 14 يناير 2015

إلى أي مدى يمكنني فهم الواقع و النجاح فيه!

يعد هذا التساؤل جوهري, بالأخص في المجتمعات التي تعاني من ضعف في التعليم. لهذا, ينبغي لكل واحد منا أن يسأل نفسه, إلى أي مدى يمكنني أن أفهم المحيط الذي أعيش فيه و متغيراته التي لا تكف عن بث الحيرة في نفسي؟ و هل بامكاني أن أكتشف الفرص و أستجيب لها بالشكل الذي يضمن لي اغتنامها لبناء مستقبلي على الرغم من التحديات؟ ماهي أدواتي التي استخدمها لفهم الواقع و هل هي ملائمة لظروف القرن الحادي و العشرين الذي أعيش فيه؟

يحتاج الانسان الى امتلاك حقيبة من الأدوات و المهارات التي تمكنه من فهم بيئته بالشكل الصحيح, لأن ذلك سيساعده على اتخاذ مواقف و قرارات سليمة للنجاح و التمركز الصحيح بالمجتمع, و يجنبه الوقوع في شباك القراصنة و المضللين. يعتمد الفهم الصحيح للبيئة على عدة عوامل, من أهمها سلامة و دقة المعلومات التي يتم قبولها و استخدامها في تشكيل القناعات و التصورات و القرارات.

هدفي من كتابتي هذه هو عرض بعض الأدوات و المهارات التي تعين الانسان على جمع المعلومات التي تساعده على فهم محيطه, تجاوز تحدياته, و اغتنام فرصه.

نعيش في عصر ثورة معلوماتية عظيمة, تجعلنا نشعر بأن المعلومات ستكون دائما متوفرة و واضحة. و لكن, في الحقيقة, يمكنني وصف تلك المعلومات بركام "النفايات" العظيم. و السبب هو أن معظم ما يرد إلينا ليس بالمستوى الذي تتخيله من الدقة أو الجودة, معظم المعلومات المتاحة عبر صفحات الانترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي غير ملائمة, أو بجودة منخفضة, و أحيانا مضللة, بالتالي لا يمكن الاعتماد عليها في بناء مستقبلنا. و لا يمكن لأدمغتنا أن تخرج منها بفائدة حقيقية مالم نمتلك بعض المهارات الرئيسة التي تمكننا من تصفيتها, تصنيفها و صياغتها و تصميمها بالشكل الذي يخدم احتياجاتنا و قراراتنا.

تتعامل أدمغتنا مع المعلومات بطريقة أنظمة الحواسيب. إن صلحت المدخلات (من المعلومات), و تقدمت تطبيقات المعالجة, ارتفعت جودة المخرجات و تفوقت. و المخرجات تمثل القناعات و التصورات التي نبنيها حول محيطنا و نعتمد عليها في صياغة قراراتنا.

إذن نركز أولا على كيفية اختبار مدى صلاحية المدخلات (المعلومات). كيف نختبر جودة المعلومة, دقتها, قدرتها على نقل الحقيقة, تصوير الواقع, سلامتها من التحيزات و التضليلات؟ و ذلك قبل قبولها. إن الجواب على ذلك يعتمد على (1) اختبار مصداقية المصدر: أي مستوى كفاءة, أهلية, مهنية, علم, استقلالية قائلها أو مصدرها. للأسف, معظم المعلومات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي و الكثير من مواقع الانترنت تفتقر للكثير من الموثوقية كونها منقولة عن مصادر مجهولة, و قد تكون مشبعة بالتحيزات, و تحركها دوافع غير واضحة و هي بالغالب مجرد آراء و ليست حقائق مدروسة أو علمية. بالتالي, قد لا تأخذنا نحو الطريق الصحيح لفهم الواقع و اغتنام فرصه.

أيضا اسأل نفسك, هل تؤمن بالمعلومة لمجرد أنك تثق في قائلها؟ أو هل تؤمن بها لأنها مقولة مطروحة على كل لسان (شائعة بين أفراد مجتمعك)؟ و هل هذا يكفي؟ بالطبع لا, و مع الأسف. نحتاج إلى عمل فحص آخر لمدى اتساق التركيب الداخلي لها (قوة العلاقة بين الافكار التي تدعمها و منطقيتها) و مدة تماسك التركيب الخارجي لها (أي امكانية تعميمها لقدرتها على الثبات تحت مختلف الظروف المحيطة). بالتالي, نحتاج الى فحص آخر يطلق عليه (2) اختبار العلاقة.

من الافضل أن أكمل الشرح باستخدام مثال توضيحي. المثال كالتالي:

شاع بين الطلبة و أساتذة الجامعة أن مستقبل الوظائف سيكون في تخصص الطب. كان لشيوع المقولة تأثير كبير دفع الناس إلى تصديقها من دون القيام بالتحقق من الموثوقية أو العلاقة. و نتيجة لذلك, انكب الطلبة المتفوقين على هذا التخصص, متجاهلين ميولاتهم الحقيقية. بعد عدد من السنوات, ظهرت مجالات وظيفية متعددة و برواتب مجزية و فرص ترقية مغرية نتيجة لنهضة تنموية شاملة قادتها الدولة, و لم يعد المستقبل في الطب وحده. تمنى الكثير من الأطباء أن تعود السنوات للوراء ليختاروا التخصصات التي كانت تلائم ميولاتهم الحقيقية و التي تجاهلوها لحظة ظهور تلك الشائعة.

تطرح السطور التالية أمثلة لأسئلة يمكن استخدامها لعقد اختبار الموثوقية و أخرى لاختبار العلاقة مستخدمين الحالة المذكورة بالأعلى.   

أولا: أسئلة اختبار الموثوقية (اختبار مصداقية المصدر)

من قال تلك المقولة؟ ما هي مؤهلاته العلمية و المهنية و الخبراتية التي تمكنه من اصدار تنبؤات دقيقة عن المستقبل؟ هل وقع قائل تلك المقولة في أخطاء أو تحيزات بالماضي؟ هل لديه ميول قد يدفعه للكذب؟

كيف توصل إلى تلك النتيجة, كيف قرأ المستقبل, هل يملك أدوات جيدة؟ ما هي مصادر المعلومات التي اعتمد عليها؟ و هل هي موثوقة؟

إن تمكنت من الحصول على أجوبة مطمئنة لأسئلة اختبار الموثوقية, يمكنك بعد ذلك عقد اختبار العلاقة, و لكن إن تبين لك أن المعلومة غير موثوقة, أو أنها مجرد مقولة منقولة عن مجهولين, إذن يمكنك حفظ وقتك و التخلي عنها, فلا اعتقد أنها ستحدث نقلة نوعية بحياتك حتى تخصص لها جزءا من وقتك الثمين لاختبار العلاقة. فهي اما أن تكرر عليك أمورا تعرفها من قبل أو قد تحمل اليك بعض التضليلات أو الشائعات الجديدة التي تاخذك بعيدا عن حقيقة الواقع و فرصه.

ثانيا: أسئلة اختبار العلاقة (اختبار جودة المعلومة القائلة بأن مستقبل الوظائف في المجال الطبي)

  1. اختبار الاتساق الداخلي للمعلومة (دقتها): لماذا المستقبل في الطب بالتحديد؟ مالأسباب؟ هل لوجود ندرة؟ هل ستستمر تلك الندرة حتى نتخرج؟ كم عدد المقاعد المشغولة بالاجانب و ماهو معدل السعودة فيها سنويا؟ كم تبلغ المرتبات و العلاوات؟ ماهي فرص الترقية؟ هل أجواء العمل بالمجال الطبي ستكون جيدة و جاذبة؟
  2. اختبار تماسك التركيب الخارجي للمعلومة مع محيطها (ملائمتها): متى تم التوصل اليها, بالأمس, أم بالماضي القديم, و هل ينطبق ذلك على الخمس سنوات القادمة أم سيحدث تغير بيئي كبير؟ أين تنطبق المعلومة بالتحديد, هل ببلدنا, بالبلدان المجاورة؟ إلى أي مدى تلائمني أجواء العمل بمجال الطب؟ إلى أي مدى سيحقق لي المجال الطبي فرصا للابداع و الارتقاء؟

 

تركز أسئلة العلاقة على دقة و ملائمة المعلومة في حد ذاتها, بغض النظر عن قائلها أو مصدرها و هي أمور تتعلق بمصداقية المصدر. تبحث في الاسباب التي تدعم سلامتها كوجود ندرة بالمجال مثلا, و تبحث في مدى ملائمتها من حيث الزمان و المكان و من حيث قدرتها على الثبات تحت مختلف الظروف المحيطة بها.  يمكنك طرح ما شئت من الاسئلة ذات العلاقة بالمشكلة و كلما وجدت اجابات شافية لها, كلما ارتفعت جودة المعلومة و أقتربت من مطابقتها للواقع. و كلما استطاعت المعلومة أن تعكس الواقع بدقة, كلما كانت صالحة و يمكن الاعتماد عليها في بناء قراراتنا التي تتعلق بمستقبلنا كقرار اختيار التخصص أو الوظيفة.

يمكن تكرار العملية مع كل قرار تريد أن تتخذه لبناء ذاتك و مستقبلك, و المثال المستخدم لم يكن سوى جانب واحد من حياتك, و هو قرار اختيار التخصص. بالتأكيد كلما تطلعت للنجاح بالحياة, ستجد نفسك بحاجة لاتخاذ قرارات متعددة, تلك القرارات تحتاج إلى معلومات موثوقة و صالحة, بالتالي ستطرح العديد من الاسئلة التي تبحث في مدى صدق و ملائمة ما جمعته من معلومات قبل قبولها.

ما سبق كان شرحا مفصلا لكيفية اختبار المعلومات بمرحلة المدخلات, المرحلة القادمة لا تقل أهمية عنها و هي مرحلة معالجة المدخلات باستخدام تطبيقات ذهنية و حاسوبية عالية الكفاءة (آخر ما توصلت اليه العلوم بالقرن الحادي و العشرين), تقوم بتحليلها, تصنيفها, إعادة صياغتها و تقييمها و تطويرها و ذلك بغرض الخروج بقناعات و قرارات مثلى و ناجحة.

أرجو أن لا يفهم من كلامي أنه من الصعب فهم و تبني تطبيقات المعالجة الحديثة. فهي في الواقع سهلة و لا تحتاج سوى لشرح بسيط و ممارسة مستمرة حتى تصبح جزءا من عاداتنا السلوكية الذكية. و باختصار, تعتمد جميعها على تبني النظرة الناقدة التي تحفز على طرح الأسئلة تجاه كل ما نراه و نسمعه أو ما نتبناه و ننتجه من قناعات أو أفكار ذات أهمية لمستقبلنا.

شكرا لقرائتكم و في انتظار أراؤكم و تعليقاتكم حول الموضوع