يعد هذا التساؤل جوهري, بالأخص في المجتمعات التي تعاني من ضعف في
التعليم. لهذا, ينبغي لكل واحد منا أن يسأل نفسه, إلى أي مدى يمكنني أن أفهم المحيط
الذي أعيش فيه و متغيراته التي لا تكف عن بث الحيرة في نفسي؟ و هل بامكاني أن أكتشف
الفرص و أستجيب لها بالشكل الذي يضمن لي اغتنامها لبناء مستقبلي على الرغم من التحديات؟
ماهي أدواتي التي استخدمها لفهم الواقع و هل هي ملائمة لظروف القرن الحادي و
العشرين الذي أعيش فيه؟
يحتاج الانسان الى امتلاك حقيبة من الأدوات و المهارات التي تمكنه من فهم
بيئته بالشكل الصحيح, لأن ذلك سيساعده على اتخاذ مواقف و قرارات سليمة للنجاح و التمركز
الصحيح بالمجتمع, و يجنبه الوقوع في شباك القراصنة و المضللين. يعتمد الفهم الصحيح للبيئة على عدة عوامل, من أهمها سلامة و دقة المعلومات التي يتم قبولها و استخدامها في تشكيل القناعات و التصورات و القرارات.
هدفي من كتابتي هذه هو عرض بعض الأدوات و المهارات التي تعين الانسان
على جمع المعلومات التي تساعده على فهم محيطه, تجاوز تحدياته, و اغتنام
فرصه.
نعيش في عصر ثورة معلوماتية عظيمة, تجعلنا نشعر بأن المعلومات ستكون
دائما متوفرة و واضحة. و لكن, في الحقيقة, يمكنني وصف تلك المعلومات بركام "النفايات"
العظيم. و السبب هو أن معظم ما يرد إلينا ليس بالمستوى الذي تتخيله من الدقة أو
الجودة, معظم المعلومات المتاحة عبر صفحات الانترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي غير
ملائمة, أو بجودة منخفضة, و أحيانا مضللة, بالتالي لا يمكن الاعتماد عليها في بناء
مستقبلنا. و لا يمكن لأدمغتنا أن تخرج منها بفائدة حقيقية مالم نمتلك بعض المهارات
الرئيسة التي تمكننا من تصفيتها, تصنيفها و صياغتها و تصميمها بالشكل الذي يخدم
احتياجاتنا و قراراتنا.
تتعامل أدمغتنا مع المعلومات بطريقة أنظمة الحواسيب. إن صلحت المدخلات
(من المعلومات), و تقدمت تطبيقات المعالجة, ارتفعت جودة المخرجات و تفوقت. و
المخرجات تمثل القناعات و التصورات التي نبنيها حول محيطنا و نعتمد عليها في صياغة
قراراتنا.
إذن نركز أولا على كيفية اختبار مدى صلاحية المدخلات (المعلومات). كيف
نختبر جودة المعلومة, دقتها, قدرتها على نقل الحقيقة, تصوير الواقع, سلامتها من
التحيزات و التضليلات؟ و ذلك قبل قبولها. إن الجواب على ذلك يعتمد على (1) اختبار
مصداقية المصدر: أي مستوى كفاءة, أهلية, مهنية, علم, استقلالية قائلها أو مصدرها. للأسف,
معظم المعلومات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي و الكثير من مواقع الانترنت
تفتقر للكثير من الموثوقية كونها منقولة عن مصادر مجهولة, و قد تكون مشبعة
بالتحيزات, و تحركها دوافع غير واضحة و هي بالغالب مجرد آراء و ليست حقائق مدروسة أو
علمية. بالتالي, قد لا تأخذنا نحو الطريق الصحيح لفهم الواقع و اغتنام فرصه.
أيضا اسأل نفسك, هل تؤمن بالمعلومة لمجرد أنك تثق في قائلها؟ أو هل
تؤمن بها لأنها مقولة مطروحة على كل لسان (شائعة بين أفراد مجتمعك)؟ و هل هذا يكفي؟
بالطبع لا, و مع الأسف. نحتاج إلى عمل فحص آخر لمدى اتساق التركيب الداخلي لها
(قوة العلاقة بين الافكار التي تدعمها و منطقيتها) و مدة تماسك التركيب الخارجي
لها (أي امكانية تعميمها لقدرتها على الثبات تحت مختلف الظروف المحيطة). بالتالي,
نحتاج الى فحص آخر يطلق عليه (2) اختبار العلاقة.
من الافضل أن أكمل الشرح باستخدام مثال توضيحي. المثال كالتالي:
شاع بين الطلبة و أساتذة الجامعة أن مستقبل الوظائف سيكون في تخصص
الطب. كان لشيوع المقولة تأثير كبير دفع الناس إلى تصديقها من دون القيام بالتحقق
من الموثوقية أو العلاقة. و نتيجة لذلك, انكب الطلبة المتفوقين على هذا التخصص,
متجاهلين ميولاتهم الحقيقية. بعد عدد من السنوات, ظهرت مجالات وظيفية متعددة و
برواتب مجزية و فرص ترقية مغرية نتيجة لنهضة تنموية شاملة قادتها الدولة, و لم يعد
المستقبل في الطب وحده. تمنى الكثير من الأطباء أن تعود السنوات للوراء ليختاروا
التخصصات التي كانت تلائم ميولاتهم الحقيقية و التي تجاهلوها لحظة ظهور تلك
الشائعة.
تطرح السطور التالية أمثلة لأسئلة يمكن استخدامها لعقد اختبار
الموثوقية و أخرى لاختبار العلاقة مستخدمين الحالة المذكورة بالأعلى.
أولا: أسئلة اختبار الموثوقية (اختبار مصداقية المصدر)
من قال تلك المقولة؟ ما هي مؤهلاته العلمية و المهنية و الخبراتية
التي تمكنه من اصدار تنبؤات دقيقة عن المستقبل؟ هل وقع قائل تلك المقولة في أخطاء أو
تحيزات بالماضي؟ هل لديه ميول قد يدفعه للكذب؟
كيف توصل إلى تلك النتيجة, كيف قرأ المستقبل, هل يملك أدوات جيدة؟ ما
هي مصادر المعلومات التي اعتمد عليها؟ و هل هي موثوقة؟
إن تمكنت من الحصول على أجوبة مطمئنة لأسئلة اختبار الموثوقية, يمكنك
بعد ذلك عقد اختبار العلاقة, و لكن إن تبين لك أن المعلومة غير موثوقة, أو أنها
مجرد مقولة منقولة عن مجهولين, إذن يمكنك حفظ وقتك و التخلي عنها, فلا اعتقد أنها
ستحدث نقلة نوعية بحياتك حتى تخصص لها جزءا من وقتك الثمين لاختبار العلاقة. فهي
اما أن تكرر عليك أمورا تعرفها من قبل أو قد تحمل اليك بعض التضليلات أو الشائعات الجديدة
التي تاخذك بعيدا عن حقيقة الواقع و فرصه.
ثانيا: أسئلة اختبار العلاقة (اختبار جودة المعلومة القائلة بأن
مستقبل الوظائف في المجال الطبي)
اختبار الاتساق
الداخلي للمعلومة (دقتها): لماذا المستقبل في الطب بالتحديد؟ مالأسباب؟ هل لوجود
ندرة؟ هل ستستمر تلك الندرة حتى نتخرج؟ كم عدد المقاعد المشغولة بالاجانب و ماهو
معدل السعودة فيها سنويا؟ كم تبلغ المرتبات و العلاوات؟ ماهي فرص الترقية؟ هل
أجواء العمل بالمجال الطبي ستكون جيدة و جاذبة؟
اختبار تماسك التركيب
الخارجي للمعلومة مع محيطها (ملائمتها): متى تم التوصل اليها, بالأمس, أم بالماضي
القديم, و هل ينطبق ذلك على الخمس سنوات القادمة أم سيحدث تغير بيئي كبير؟ أين
تنطبق المعلومة بالتحديد, هل ببلدنا, بالبلدان المجاورة؟ إلى أي مدى تلائمني أجواء
العمل بمجال الطب؟ إلى أي مدى سيحقق لي المجال الطبي فرصا للابداع و الارتقاء؟
تركز أسئلة العلاقة على دقة و ملائمة المعلومة في حد ذاتها, بغض النظر
عن قائلها أو مصدرها و هي أمور تتعلق بمصداقية المصدر. تبحث في الاسباب التي تدعم
سلامتها كوجود ندرة بالمجال مثلا, و تبحث في مدى ملائمتها من حيث الزمان و المكان و من حيث قدرتها
على الثبات تحت مختلف الظروف المحيطة بها. يمكنك طرح ما شئت من الاسئلة ذات العلاقة
بالمشكلة و كلما وجدت اجابات شافية لها, كلما ارتفعت جودة المعلومة و أقتربت من
مطابقتها للواقع. و كلما استطاعت المعلومة أن تعكس الواقع بدقة, كلما كانت صالحة
و يمكن الاعتماد عليها في بناء قراراتنا التي تتعلق بمستقبلنا كقرار اختيار التخصص أو
الوظيفة.
يمكن تكرار العملية مع كل قرار تريد أن تتخذه لبناء ذاتك و مستقبلك, و
المثال المستخدم لم يكن سوى جانب واحد من حياتك, و هو قرار اختيار التخصص. بالتأكيد
كلما تطلعت للنجاح بالحياة, ستجد نفسك بحاجة لاتخاذ قرارات متعددة, تلك القرارات
تحتاج إلى معلومات موثوقة و صالحة, بالتالي ستطرح العديد من الاسئلة التي
تبحث في مدى صدق و ملائمة ما جمعته من معلومات قبل قبولها.
ما سبق كان شرحا مفصلا لكيفية اختبار المعلومات بمرحلة المدخلات,
المرحلة القادمة لا تقل أهمية عنها و هي مرحلة معالجة المدخلات باستخدام تطبيقات
ذهنية و حاسوبية عالية الكفاءة (آخر ما توصلت اليه العلوم بالقرن الحادي و العشرين),
تقوم بتحليلها, تصنيفها, إعادة صياغتها و تقييمها و تطويرها و ذلك بغرض الخروج بقناعات
و قرارات مثلى و ناجحة.
أرجو أن لا يفهم من كلامي أنه من الصعب فهم و تبني تطبيقات المعالجة
الحديثة. فهي في الواقع سهلة و لا تحتاج سوى لشرح بسيط و ممارسة مستمرة حتى تصبح
جزءا من عاداتنا السلوكية الذكية. و باختصار, تعتمد جميعها على تبني النظرة
الناقدة التي تحفز على طرح الأسئلة تجاه كل ما نراه و نسمعه أو ما نتبناه و ننتجه من
قناعات أو أفكار ذات أهمية لمستقبلنا.
شكرا لقرائتكم و في انتظار أراؤكم و تعليقاتكم حول الموضوع